العلامة الحلي

مقدمة التحقيق 14

الأسرار الخفية في العلوم العقلية

بمائتي سنة . أمّا عن الوضع الاجتماعي لتلك الحقبة فهو لا يقلّ سوءا عن الوضع السياسي ، بل كان يتحوّل من سيّء إلى أسوأ . قضى العلّامة فترة صباه في عصر أفول حكم بني العبّاس ، الذين تلوا حكم بني أميّة ، وقد حكموا ما يناهز 546 سنة . ولم تكن البلاد الإسلاميّة قاطبة في ذلك العصر تحت سيطرة حكم بني العبّاس - كما كان الأمر في الحكم الأموي - فقد خرجت بلاد المغرب عن ملكهم وبلاد الشام أحيانا والحرمين غالبا ، وأخذ ما بأيديهم من بلاد خراسان وما وراء النهر ، وتداولتها الملوك دولا بعد دول حتّى لم يبق مع الخليفة منهم إلّا بغداد وبعض بلاد العراق ، وذلك - كما قال أبو الفداء - : « لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات » « 1 » . ومن أراد أن يطّلع على أوضاع ذلك العصر وأحداثه فليراجع كتب السير والتواريخ ، ك « البداية والنهاية » و « النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة » وغيرهما . ويصف المحقّق نصير الدين الطوسي ذلك الزمان بأنّه « انصرفت [ فيه ] الهمم عن تحصيل الحقّ بالتحقيق ، وزلّت الأقدام عن سواء الطريق ، بحيث لا يوجد راغب في العلوم ولا خاطب للفضيلة ، وصارت الطباع كأنّها مجبولة على الجهل والرذيلة . اللّهمّ إلّا بقيّة يرمون فيما يرمون رمية رام في ليلة ظلماء ، ويخبطون فيما ينحون نحوه خبط عشواء . . . » « 2 » . نعم ، لا يمكن أخذ كلام المحقّق الطوسي على إطلاقه ، بحيث ننفي وجود طلّاب العلم والحقيقة نفيا قاطعا ، فقد برز في عصر الطوسي والعلّامة ثلّة من العلماء والفلاسفة والمتكلّمين ، كما يظهر لمن راجع كتب التراجم في تلك الحقبة الزمنية . أمّا أحداث القرن الثامن الذي قضى فيه العلّامة معظم حياته ، فكان الحدث المتميّز فيها هو سيطرة المغول والتتار على بلاد المسلمين وفتكهم بأهلها ، وإشاعة الدمار والفساد في الأرض . وتحرّك هولاكو - الذي يعتبر مؤسّس السلسلة الإيلخانيّة - سنة 656 للسيطرة على بغداد وبدأ

--> ( 1 ) . نفس المصدر المتقدّم . ( 2 ) . انظر مقدّمة « تلخيص المحصّل » .